محمد متولي الشعراوي
4459
تفسير الشعراوى
وحين ذكره العبد الصالح بما وعد به من ألا يسأل ، تراجع موسى ، وتكرر السؤال ، وتكرر التذكير . إلى أن أوضح العبد الصالح لموسى كل أسرار ما لم يحط به علما وهنا يقول الحق : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها لماذا ؟ . لأن مشيئة الله مشيئة مطلقة ، يفعل ما يريده ، ولكنه سبحانه قد سبق منه أن جعل للاختيار جزاء ، لهذا لم يرفعه مع أنه مخالف ، لأنها سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . وسنة الله أن من عمل عملا طيبا يثيبه الله عليه . ومن عمل سوءا يعاقبه ، ومشيئته سبحانه مطلقة ، ولا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه . وبمقتضى مشيئة الله فهو يعذب المذنب بعدله ويثيب الطائع بفضله ، وله سبحانه مطلق الإرادة فهو عزيز ، وحكيم في كل فعل . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ( من الآية 176 سورة الأعراف ) و أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، أي أنه اختار أن ينزل إلى الهاوية ، رغم أن الحق هدى الإنسان وبين له طريق الخير ليسلكه فيصعد إلى العلو ، والحق يقول : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ( من الآية 151 سورة الأنعام ) ونخطىء حين نفهم أن « تعالوا » بمعنى « أقبلوا » فقط وهذا فهم ناقص ، إنها دعوة للقبول وإلى العلو ، لأنه سبحانه وتعالى يشرع لنا حتى لا نلزم منهج الأرض السفلى . بل نرتقى ونأخذ منهج الله الذي يضمن لنا العلو . وكأنه سبحانه يقول : تعالوا وتساموا في أخذ منهجكم من الله العلى الأعلى وإياكم أن تأخذوا منهجكم مما وضعه البشر ويناقض ما جاء في شرع الله ، لأن في هذا تسفلا ونزولا إلى الحضيض . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ( من الآية 176 سورة الأعراف )